أبو علي سينا
376
القانون في الطب ( طبع بيروت )
معتدل . وأما الطبقة الشبكية فمضرتها بالإبصار تفرق اتصالها ، إما في بعضها فيقل البصر ، وإما في كلها فيعدم البصر . وأما الآفة التي تكون بسبب العصبة ، فأن يعرض لها سدّة ، أو يعرض لها ورم ، أو اتساع بها أو انهتاك . العلامات أما الذي يكون بشركة من البدن ، فالعلامات فيه ما أعطيناه من العلامات التي تدل على مزاج كلية البدن ، والذي يكون بشركة الدماغ ، فأن يكون هناك علامة من العلامات الدالة على آفة في الدماغ مع أن تكون سائر الحواس مؤفة مع ذلك ، فإن ذلك يفيد الثقة بمشاركة الدماغ ، وربما اختص بالبصر أكثر اختصاصه ، وبالشم دون السمع ، مثل الضربة الضاغطة إذا وقعت بالجزء المقدم من الدماغ جداً ، فربما السمع بحاله ، وتبقى العين مفتوحة لا يمكن تغميض الجفن عليها ، ولكن لا يبصر . وعلامة ما يخصّ الروح نفسه ، إنه إن كان الروح رقيقاً ، وكان قليلًا رأى الشيء من القرب بالاستقصاء ، ولم ير من البعد من الاستقصاء ، وإن كان رقيقاً كثيراً كان شديد الاستقصاء للقريب وللبعيد ، لكن رقته إذا كانت مفرطة لم يثبت الشيء المنير جداً ، بل يبهره الضوء الساطع ويفرّقه ، وإن كان غليظاً كثيراً لم يعجزه استقصاء تأمل البعيد ولم يستقص رؤية القريب ، والسبب فيه عند أصحاب القول بالشعاع ، وإن الإبصار إنما يكون بخروج الشعاع ، وملاقاته المبصر ، إن الحركة المتّجهة إلى مكان بعيد يلطف غلظها ، ويعدل قوامها كما أن مثل تلك الحركة يحلل الروح الرقيقة ، فلا يكاد يعمل شيئاً . وعند القائلين بتأدية المشف شجّ المرئي غير ذلك ، وهو أن الجليدية تشتدّ حركتها عند تبصّر ما بعد ، وذلك مما يرقّق الروح الغليظ المستكنّ فيها ، ويحلل الروح الرقيق خصوصاً القليل . وتحقيق الصواب من القولين إلى الحكماء دون الأطباء . وأما تعرّف ذلك من حال الطبقات والرطوبات الغائرة ، فمما يصعب إذا لم يكن شيء آخر غيرها ، ولكن قد يفزع إلى حال لون الطبقات وحال انتفاخها وتمددها ، أو تحشّفها وذبولها ، وحال صغر العين لصغرها ، وحال ما يترقرق عليها من رطوبة ، ويتخيل من شبه قوس قزح ، أو يرى فيها من يبوسة . والكدورة التي تشاهد من خارج ويكاد لا بصر معها إنسان العين ، وهو صورة الناظر فيها ، ربما دلّت على حال القرنية ، وربما دلّت على حال البيضية . وصاحبها يرى دائماً بين عينيه كالضباب ، فإن رؤيت الكدورة بحذاء الثقبة فقط ، ولم يكن سائر أجزاء القرنية كدراً ، دل على أن الكدورة في البيضية ، وأنها غير صافية .